الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 8 - 10 ] [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 8 إلى 10 ] إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ( 10 ) استئناف بياني ناشئ عن قوله : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ [ الطارق : 5 ] لأن السامع يتساءل عن المقصد من هذا الأمر بالنظر في أصل الخلقة ، وإذ قد كان ذلك النظر نظر استدلال فهذا الاستئناف البياني له يتنزل منزلة نتيجة الدليل ، فصار المعنى : أن الذي خلق الإنسان من ماء دافق قادر على إعادة خلقه بأسباب أخرى وبذلك يتقرر إمكان إعادة الخلق ويزول ما زعمه المشركون من استحالة تلك الإعادة . وضمير إِنَّهُ عائد إلى اللّه تعالى وإن لم يسبق ذكر لمعاد ولكنّ بناء الفعل للمجهول في قوله : خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] يؤذن بأن الخالق معروف لا يحتاج إلى ذكر اسمه ، وأسند الرّجع إلى ضميره دون سلوك طريقة البناء للمجهول كما في قوله : خُلِقَ * لأن المقام مقام إيضاح وتصريح بأن اللّه هو فاعل ذلك . وضمير رَجْعِهِ عائد إلى الْإِنْسانُ 5 [ الطارق : 5 ] . والرجع : مصدر رجعه المتعدّي . ولا يقال في مصدر رجع القاصر إلا الرجوع . و يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ متعلق ب رَجْعِهِ أي يرجعه يوم القيامة . و السَّرائِرُ : جمع سريرة وهي ما يسره الإنسان ويخفيه من نواياه وعقائده . وبلو السرائر ، اختبارها وتمييز الصالح منها عن الفاسد ، وهو كناية عن الحساب عليها والجزاء ، وبلو الأعمال الظاهرة والأقوال مستفاد بدلالة الفحوى من بلو السرائر . ولما كان بلو السرائر مؤذنا بأن اللّه عليم بما يستره الناس من الجرائم وكان قوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ مشعرا بالمؤاخذة على العقائد الباطلة والأعمال الشنيعة فرع عليه قوله : فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ ، فالضمير عائد إلى الْإِنْسانُ [ الطارق : 5 ] . والمقصود ، المشركون من الناس لأنهم المسوق لأجلهم هذا التهديد ، أي فما للإنسان المشرك من قوة يدفع بها عن نفسه وما له من ناصر يدافع عنه . [ 11 - 14 ] [ سورة الطارق ( 86 ) : الآيات 11 إلى 14 ] وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 )